واحات الغربة

محمد الحنفي
 
 
وعندما نقف على مفهوم الإيمان، وعلى مفهوم الإسلام نتساءل:

ما المراد بالإيمان؟

وما المراد بالإسلام؟

وما هي العلاقة القائمة بين الإيمان والإسلام؟

وما هو الأولى منهما؟

هل هو الإيمان؟

هل هو الإسلام؟

ولماذا تصير الأولوية لأحدهما؟

وقبل الخوض في مناقشة المفهومين، انطلاقا من الأسئلة التي طرحناها أعلاه، نذكر بالحديث الذي روي عن الرسول محمد بن عبد الله:

"الإيمان ما وقر في القلب، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده".

لأنه يحمل جوهر الإيمان، وجوهر الإسلام.

فجوهر الإيمان، لا يعني إلا الخضوع، والاستسلام، بواسطة الوجدان الفردي، المقرون بالإقرار بوجود، وقوة، وتحكم ما "لا تدركه الأبصار، وهو يدرك الأبصار"، وبدليل قول الرسول: "الإيمان ما وقر في القلب". والقلب هنا، لا يعني إلا وجدان الفرد، والوجدان، عندما يتحرك، ينفي العقل الذي لا مجال له في عملية الإيمان.

فالإيمان إذن، هو إقرار وجداني، بدين معين، يفرض الإقرار الوجداني الفردي، بوجود الله، الذي "لا تدركه الأبصار، وهو يدرك الأبصار"، وهو الذي "ليس كمثله شيء"، وهو الذي "لم يل،د ولم يولد، ولم يكن له كفؤا أحد"، كما ورد في النص الديني: "القرءان".

والإقرار الوجداني للفرد بوجود الله، يفرض تصديق الرسول، حامل رسالة الدعوة، إلى الإيمان بحكم تلقيه نصا معينا من الله، موضوع الإيمان، كحجة، وبرهان على وجوده، وكقوة خارقة، ينسب إليها كل ما يحصل في هذا الكون، مما يقتضي حصول الإيمان بقوته، والخوف منه، كما جاء في القرءان: "يسبح الرعد بحمده، والملائكة من خيفته".

وتقوم آيات الترغيب، والترهيب، الواردة في النص الديني: "القرءان"، على تأكيد ضرورة الإيمان، وممارسة الطقوس الدينية، المعبرة عنه، أملا في جزاء يوم القيامة، وتجنبا للعقاب المنتظر، لغير المومنين، أو المومنين العاقين.

ويترتب عن الإيمان محاولة التشكيل، انطلاقا من توصيف الشروط الموضوعية، التي صاحبت ظهور الدين الإسلامي بالخصوص، ليصير المومنون متميزين فكرا، وممارسة، وشكلا، ولباسا، والتزاما بممارسة الطقوس الدينية، بشكل فردي، أو في إطار الجماعة، وجيئة، وذهابا، من، وإلى المؤسسة الدينية.

والطقوس الدينية المترتبة عن ثبات قرار الإيمان، هي: الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، لمن استطاع إليه سبيلا.

والإيمان لا يتم إلا في إطار دين معين، يستلزم تصديق رسول معين، مما يستوجب ممارسة طقوس ذلك الدين، انطلاقا مما هو منصوص عليه في النص الديني الخاص به، كما هو الشأن بالنسبة لديانة موسى، وديانة عيسى، وكما هو الشأن بالنسبة للدين الإسلامي، على سبيل المثال، لا الحصر.

ومعلوم أن الإيمان الذي يهمنا، هو الإيمان بالدين الإسلامي، باعتباره آخر دين، وأكثر الأديان تطورا، وباعتباره ملخصا للإيجابي مما سبقه من الأديان، كما تقول بذلك الآية: "إن الدين عند الله الإسلام".

فالإيمان بالإسلام، هو الإقرار الوجداني بما جاء به محمد بن عبد الله، سواء تعلق الأمر ب"القرءان"، أو ب"الأحاديث" المروية عنه: الثابتة، والصحيحة، سندا، ومتنا، والتي لا تعلو على القرءان، ولا تتعارض مع ما ورد فيه. وهذا المعنى من الإيمان، هو الذي قال عنه الرسول: "ما وقر في القلب"، بمعنى أننا، كمومنين بهذا الدين، لا يحق لنا أن نستخدم عقولنا، لا في النص القرءاني، ولا في الحديث المروي عن الرسول، وكيفما كان المنهج الذي نستخدمه؛ لأن ذلك قد يؤدي إلى فقدان إيماننا به، لكون الكثير، مما ورد فيه، بما في ذلك إثبات وجود الله، لا نستطيع إثباته بالعقل، وإذا حدث، فبمنهج مثالي، لا علاقة له بالمنهج العلمي أبدا.

فالمنهج الوحيد الذي يمكن أن نثبت به الكثير مما ورد في القرءان، وفي الأحاديث المروية، هو المنهج الإيماني، الذي يقتضي الإقرار الوجداني به، حتى يصير مسلما.

والإسلام، وانطلاقا مما روي عن الرسول: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده"، هو التحلي بروح القيم الإنسانية، الواردة في النص الديني: "القرءان"، والحديث الصحيح. والقرءان، والحديث، مليئان بالقيم الإنسانية النبيلة، إلى جانب قيم أخرى، وتبقى الشعائر الدينية مسألة فردية، لا أحد يتدخل فيها؛ لأنها تخص الفرد المسلم في علاقته بالله، الذي يومن به، لا تنفع المجتمع، ولا تضره. والإعلان بأدائها، وبشكل جماعي في المؤسسات التي صارت تصطبغ بالصبغة الدينية، إنما يدخل في إطار العادات، والتقاليد، والأعراف، بينما نجد أن القيم الإنسانية النبيلة تهم:

1) العلاقة بين الناس جميعا، سواء كانوا مسلمين، أو غير مسلمين، ومهما كان الدين الذي يومنون به، أو لا دين لهم.

2) العلاقة بين المسلمين في المجتمع، الذي تعتبر غالبيته من المسلمين، لكونها تلعب دورا كبيرا في تطورهم، وتعضد العلاقات فيما بينهم، لتسود روح التضامن، والتضحية، والإخاء، والتعاون، ليصيروا مسلمين، بتحليهم بقيم الدين الإسلامي؛ لأن الأصل في الإسلام، يكمن في التحلي بقيمه، التي تجعل المسلم محبوبا عند الناس جميعا، بقطع النظر عن كونهم مومنين بالدين الإسلامي، أو غير مومنين به، أو لا دين لهم. وتلك القيم التي يتحلى بها المسلمون، لا يمكن أن تعتبر إلا إنسانية، كما ورد في الحديث: "الدين المعاملة".

والتحلي بقيم الدين الإسلامي، لا يعني التناسخ أبدا، لأن استيعاب القيم الإنسانية من الدين الإسلامي، يختلف من شخص إلى آخر، والقدرة على الاستعباد، تختلف، كذلك، من شخص إلى شخص آخر. والاجتهاد في توظيف تلك القيم، يختلف من شخص إلى شخص آخر، خاصة، وأن شخصية المسلم، تساهم في تكوينها قيم أخرى، يمتحها من الأسرة، والمدرسة، والمجتمع، ومن الإعلام، ومن المقروءات المختلفة، ومن المعاملات، وغير ذلك، مما يعتبر دليلا موضوعيا على اختلاف شخصيات المسلمين، الذين يتفقون في شيء واحد، هو عدم إلحاق الأذى بالآخر.

وهذا الفهم، هو الذي يوضح لنا وإلى حد كبير، أن الإسلام ليس هو الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، كما هو سائد في صفوف المسلمين، وفي مجتمعاتهم التي يقوم فيها المسلمون، بإيذاء غيرهم، وباسم الدين الإسلامي، في إطار الأسرة، وفي إطار المجتمع، وفي المدرسة، وفي أماكن العمل، لأنهم تمسكوا بالطقوس، وبتطبيق ما يسمونه "الشريعة الإسلامية"، وتخلوا، وبصفة نهائية، عن القيم الإنسانية الواردة في النص الديني.

ولذلك، ونظرا للاستبداد المفروض على مجتمعات المسلمين، في كل أرجاء الأرض، والذي يمارسه المسلمون على بعضهم البعض، في الحياة العادية، ونظرا لخلو شخصية المسلم، في معظم الأحيان، من القيم الإنسانية المستمدة من النص الديني، وبسبب الآفات، والأمراض الكثيرة، التي صارت تنخر كيان مجتمعات المسلمين، فإن إعادة النظر في تحديد مفهوم الإسلام المتعارف عليه، في مجتمعات المسلمين، صارت ضرورية، حتى نعيد الاعتبار إلى الإسلام، والمسلمين، من خلال:

1) جعل الإسلام مصدرا للتحلي بالقيم الإنسانية النبيلة، التي ترفع مكانة المسلمين، في جميع أرجاء الأرض.

2) تخليص الدين الإسلامي من الأدلجة، التي أفسدته، حتى يصير خالصا، لإعادة استنبات القيم النبيلة، ذات البعد الإنساني.

3) تطهير البرامج الدراسية، والدينية، والإعلامية، من كل عناصر أدلجة الدين الإسلامي، التي تعد الأجيال على أساس: أن الإسلام لا يكون إلا مؤدلجا.

4) تجريم استغلال الدين في الأمور الأيديولوجية، والسياسية، وفي تأسيس الأحزاب، والنقابات، والجمعيات، حتى لا يتم توظيفه في استغلال القطاع العريض من المسلمين، وخاصة الأميين منهم.

5) إعادة قراءة تاريخ المسلمين، من أجل إبراز المحطات التي عرف فيها المسلمون الابتعاد عن أدلجة الدين الإسلامي.

6) اعتبار أن المشاكل، التي عرفها تاريخ المسلمين، ناتجة عن أدلجة الدين الإسلامي، من قبل حركات معينة، تسعى إلى السيطرة على المسلمين، باسم الدين، ابتداء بما حصل في عهد عثمان بن عفان، وما بعده، وإلى يومنا هذا.

7) الاهتمام بإبراز النصوص الدينية، المشعة في المتن الديني الإسلامي.

8) ضرورة الاهتمام بضرورة تدريس علوم القرءان، بدل ما يسمى بالتربية الإسلامية، وخاصة منها العلم المتعلق بالناسخ، والمنسوخ، والعلم المتعلق بأسباب النزول، حتى لا تبقى الأجيال في غفلة من ذلك.

9) ضرورة الاهتمام بتدريس علوم الحديث، حتى تتعرف الأجيال على الأحاديث، التي تصلح للتداول، والاستشهاد، والأحاديث التي لا ترقى إلى ذلك.

10) التقليل من أهمية المساجد، التي فقدت دورها الاجتماعي، والثقافي، والتكويني، والتي صارت لا تلعب أي دور في المجتمع، إذا استثنينا أداء الطقوس الدينية.

لقد أصبح مطروحا اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، ضرورة إعادة الاعتبار إلى الدين الإسلامي حتى، يصير مصدرا للقيم الإنسانية النبيلة، التي لم تعد تجد لها أثرا في سلوك المسلمين، الذين تحولوا، في معظمهم، إلى مجرد جماعات، تقضي وقتها في نشر فكر الإرهاب، باعتباره فكرا إسلاميا، مما يؤدي إلى إعداد الأجيال للقيام بالعمليات الإرهابية.