المهمات التي تقوم بها المرأة و هي أعمال راقية بالقياس إلي سواها من أعمال البشر، و بالذات التي يقوم بها الرجل، تعطي للمرأة الناجحة في مهام الأمومة و الأنوثة مكانة في المجتمع لايرقى إليها أكثر الرجال نجاحاً.

 

و هذه المهمّات الأنثوية تستغرق وقتاً طويلاً، فالحيض هو أسبوع من كلّ شهر، و النفاس يستمر أربعين يوماً، و الحمل تسعة أشهر هذا عدا عن الإرضاع و حضانة الأطفال التي تطول إلى ما لا يقل عن الثلاث أو الأربع سنوات و هي سن ذهاب الطفل إلي المدرسة، و مع ذلك كله إن المهمات التربوية الإعدادية للمرأة تستلزم أوقاتاً من التفكير و التحضير مما لا يكون النجاح فيه سهلاً إن أُشغلت المرأة في مجالات متنوعة.

 

إن مهمات المرأة تحتاج إلي وجدان راقٍ، و أنوثة بعواطف متأججة تشدها إلي صغارها، و من هم تحت رعايتها حيث تخدمهم بكل صبر و أناة، و دون تأفف، بهذا نعرف السبب «الذي بني عليه الإسلام قيام الرجل علي الأسرة أن المرأة مرهفة العاطفة، قوية الإنفعال. و أن ناحية الوجدان لديها تسيطر سيطرة كبيرة علي مختلف نواحي حياتها النفيسة، و قد سوى الله المرأة علي هذا الوضع حتي يكون لها من طبيعتها ما يتيح لها القيام بوظيفتها الأساسية، و هي الأمومة و الحضانة علي خير وجه، فلا يخفى أن هذه الوظيفة تحتاج ألي التكفير والإدراك و التأمل. فقوة العاطفة و الوجدان في المرأة هي إذن مظهر من مظاهر كمالها و كمال أنوثتها، و ليست نقصاً في حقها كما قد يتبادر إلي أذهان بعض الناس».

 

والمرأة الصالحة تعلم أن الحياة الزوجية حياة اجتماعية ولا بد لها من رئيس يقوم عليها هو الرجل، و هي يرتب عليها موقعها طاعة زوجها و حفظ ما بين يديها من ملكيات الأسرة و في هذه الحالة يكون لها الأجر عند ربها، والاحترام والتقدير من زوجها و محيطها العائلي والاجتماعي.

 

إن الله تعالي يحدد مفهوم المراة الصالحة في الآية: «فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله».

 

و من تلمس معنى الآية نستنتج بأن المرأة الصالحة تطيع الله في ما أمرها به، و تطيع زوجها في كل ما لا يقود إلي معصية الله تعالى، و من طاعتها لزوجها أن تصون في غيابه عنها كل ما ينبغي عليها صونه والحفاظ عليه من مالٍ و ولد و عرض، والسبب هو أن الله تعالى قد فرض لها علي زوجها حقوقاً و بمقابل هذه الحقوق كان من واجباتها طاعة زوجها و حفظه في غيبته.

 

والطاعة أمرٌ مطلوب من المرأة شرعاً، فالقاعدة العامة في الإسلام هي: «أطيعو الله و أطيعو الرسول و أولي الأمر منكم» ، و عن الطاعة الزوجية جاءت الطاعة بين الصفات الأساسية في وصف أفضل النساء. ففي الحديث: «سئل رسول الله، صلي الله عليه وسلم: أي نساء خير؟ قال: التي تسره إذا نظر، وتطيعه إذا أمر، ولا تخالفه فيما يكره في نفسها و ماله».

 

والمراة مطالبة بطاعة زوجها من ناحية المصلحة الاجتماعية للأسرة لأن مۆسسة أفرادها متخالفون متناقضون لا تنهض بالأعباء المطلوبة منها، ولا يتحقق لها النجاح.

 

ومن حقوق الزوج في هذا الباب أنه «يجب علي المرأة الزوجة أن تلتزم القرار أو البقاء في مسكن الزوجية، لكونه حقاً من حقوق الزوج عليها، مطالبةً بتنفيذه والسهر عليه، نظير التزامه بكفاية حاجاتها الحياتية والسهر عليها.

 

وإذا أخلت المرأة بواجب القرار البيتي، دون رضا زوجها أو عذر شرعي، فإنها تعرض نفسها لتحمل المسۆولية، قضاءً و ديانةً، قضاءً بإسقاط النفقة، و ديانة بتحمل الآثام والأوزار في الآخرة... و قد استثني من الخروج دون رضاه، خروجها لأعذار شرعية». من هذه الأعذار الخروج إلي القاضي للمطالبة بحق، أو لزيارة والديها العاجزين، أو لقضاء حاجة اقتضى العرف قضاءها ولا يوجد فيها ما يخالف الشرع أو يشين.

 

من الأحاديث النبوية الواردة في هذا الباب: «لا يحل لامرأة تۆمن بالله أن تأذن لأحد في بيت زوجها و هو كاره ولا تخرج و هو كاره ولا تطيع فيه أحداً»

 

ومن الأحاديث في الطاعة أيضاً: «ومن حق الزوج علي الزوجة أن لا تصوم تطوعاً إلا بإذنه فإن فعلت جاعت و عطشت ولا تخرج من بيتها إلا بإذنه».

 

ومن أنواع الطاعة التي فرضت علي الزوجين معاً أن يحفظا ما بينهما سراً لهما، فالأسر أسرار لا يجب أن يعلم ما فيها إلا الله تعالى، لأن إعلان خفايا و خصوصيات العلاقة بين الزوجين يفسد الود والتآلف، ويفسح المجال لمداخلات الأقارب والأباعد، ويعطي فرصة للألسنة الطويلة لتلوك أمور الأسرة مما قد يقود ألي ما لا تحمد عقباه.

 

لذلك نهى رسول الله، صلي الله عليه وسلم، عن ذلك في الحديث: «أن من شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي ألي امرأته و تفضي إليه ثم ينشر أحدهما سر صاحبه».

 

و يكفي للمراة التي تريد مرضاة الله تعالى و صلاح أمر أسرتها أن تعلم بأنه من عوامل المودة والرحمة في العائة إذا كان زوجها صالحاً لا يأمرها بما فيه معصية أن تطيعه فيما يأمرها به طاعة تامة شاملة، فلقد رغبها الإسلام في ذلك حيث جاء في الحديث الشريف، عن رسول الله، صلي الله عليه و سلم: « لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها». قد يحصل في مسيرة الحياة الزوجية ما قد يقود إلي إفساد الود، وتعكير السكينة، أو ما يري فيه الزوج سبيلاً لخروج المرأة عن الحدود المرسومة لها وفق الأصول الشرعية والاجتماعية، وهو ما يستدعي التدخل حينما بالتأديب ضمن اللازم لإعادة الأمور إلي نصابها.

 

قال الله تعالى: «واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجر وهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً إن الله كان علياً كبيراً»

 

إن المرأة في الأصل مطالبة بطاعة زوجها، و من هذا القبيل أشارت الآية بشيء من التخفيف إلي حصول النشوز بأن سمته خوف النشوز، و ذلك لإرشاد الرجل كي يتأول لزوجته خيراً، ولإرشاد الزوجة كي تقلع عن ذلك خوف الوصول إلي طريق مسدود في علاقتها مع زوجها.

 

و إذا ما اعترى رجل علم بمخالفات من الزوجة، و بخروج عن الطاعة المطلوبة و هو القوّام على الأسرة الراعي لشۆونها، فلابدّ له وفق قاعدة الرئيس و المرۆوس و انطلاقا منها أن يستخدم العقاب حسب ما تقتضيه المسائل.

 

هذا الحق بالتأديب يجب استخدامه وفق ما جاء تدرجه في الآية الكريمة، فالخطوة الأولى هي الوعظ والتوجيه والإرشاد، ويلي ذلك الإنذار والتأنيب، فإن لم تنجح سياسة التأديب الكلامي، عندما يستخدم المرحلة الثانية و هي هجر الرجل لزوجته في الفراش، وليس في المسكن، وهذا أسلوب من تأديب المعنوي فيه تعبير عن عدم رضى الزوج، فإن لم ينجح هذا الأسلوب تاتي المرحلة الأخيرة وهي الضرب الخفيف الذي لا يطال الوجه، ولا يحدث آثاراً مشوهة، فإن صلحت الأمور عادت الأمور إلي حالها من التآلف و المودة، وإن استمر التنازع بعد تدخل الأهل للإصلاح يكون الحل التسريح بإحسان.

 

والتأديب هنا لا يعد انتقاصاً من حق المرأة بل حفاظاً عليها في أسرتها و حتي لا تكون أبسط الأسباب سبباً في الفراق استجابة لطلب المرأة التي قد يصدر كلامها في حالات انفعالية بينما الرجل الذي أنفق و عليه الجهاز و كل المسائل من مهر وسواه سيتريث حكماً علي الأقل من الناحية المصلحية.

 

و من حسن الظن بالمرأة صيغة الخطاب «واللاتي تخافون نشوزهن» (النشوز في الأصل بمعني الارتفاع، فالمرأة التي تخرج عن حقوق الرجل قد ترفعت عليه و حاولت أن تكون فوق رئيسها، بل ترفعت أيضاً عن طبيعتها و ما يقتضيه نظام الفطرة في التعامل، فتكون كالناشز من الأرض الذي خرج عن الاستواء. و قد فسر بعضهم خوف النشوز بتوقعه فقط و بعضهم بالعلم به... لا جرم أن في تعبير القرآن حكمة لطيفة و هي أن الله تعالى لما كان يحب أن تكون المعيشة بين الزوجين معيشة محبة و مودة و تراضٍ والتئام لم يشأ أن يسند النشوز إلي النساء إسناداً يدل علي أن من شأنه أن يقع منهن فعلاً بل عبر عن ذلك بعبارة تومي ء إلي أن من شانه أن لا يقع ... ففي هذا التعبير تنبيه لطيف إلي مكانة المرأة و ما هو الأولي في شأنها و إلي ما يجب علي الرجل من السياسة لها و حسن التلطف في معاملتها).

 

ولذلك طالب بالتأني والرفق في التعامل مع المرأة، و معالجة الأمور باللين، و أول ذلك الإرشاد والنصح والتعليم لعل الجهل أن يكون سبباً في حصول الإشكالات. و في كل ذلك لا بد للمسلم أن يعلم، و هو يقوم بعملية التأديب، بأن زوجه هي لباس عليه الحفاظ عليه كما أنه لباس لها عليها الحفاظ عليه، و عليه دائماً أن يلتزم نظام الأسوة برسول الله، صلي الله عليه وسلم، الذي قال: «خيركم خيركم لأهله و أنا خيركم لأهلي»

 

و قد يبادر سائل هنا: إذا كان الرجل الذي يخاف النشوز من زوجته يقوم بتأديبها لأنه القوام، فمن الذي يۆدب الرجل والمرأة مرۆوسة، و المرۆوس لا يحق له معاقبة الرئيس؟.

 

كما أن المرأة من طبيعة بشرية و بالتالي فهي معرضة لأن تخطى ء، كذلك حال الرجل فإنه قد يخطي ء و قد يقوم بأعمال تفسد الود مع زوجته، أو تسعي ء للعلاقة الزوجية، و عن ذلك جاء قول الله تعالى: «و إن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحاً و الصلح خير»

 

فالمرأة التي تجد من زوجها ضعفاً في الميل إليها، و إعراضاً عنها ظلماً و بهتاناً، و تجد منه سوء معاملة، و فتوراً في التعامل بعدم ملاطفتها محادثتها كما هو معتاد، و كما هو واجب في التعامل حيث المرأة ذات الحس المرهف، والواجدان الصافي تحتاج إلي الكلمة الطيبة، والبسمة علي ثغر زوجها أكثر من أي أمرٍ آخر، هذه المرأة عليها أن تتحرى دوافع ذلك فإن وجدت السبب مما تستطيع حله و إنهاء المشكلة سعت إلي ذلك و لو كان الأمر تنازلاً منها عن بعض حقوقها الزوجية ضناً منها بوحدة العائلة و حفاظاً علي قدسية رابطة الزوجية.

 

و إذا ما استمر الزوج بتعنته و ظلمه لها فعلينا أن نعلم بأن المرأة ليست عبدة و إنما حدد القرآن الكريم منهج التعامل معها في الآية الكريمة: «ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف»

 

تبدأ محاولة الإصلاح عبر التنازل عن بعض الحقوق في النفقة أو سواها بالوعظ والمحادثة بلطف، و بأن تقوم المرأة بتذكير زوجها بأصول المودة والرحمة بين الزوجين، و قد تستخدم كل الوسائل و لا يجدي ذلك نفعاً مع زوج سار في طريق الفساد، و لأن المرأة مرۆوسة و لا يمكنها تأديبه باكثر من الحالة الكلامية لكن هذا لا يعني أن تأديبه غير وارد بل هو من صلاحيات القاضي، و بذلك يكون علي المرأة التي نشز زوجها، ولم تنفع أية وسيلة معه أن ترفع ذلك إلي القاضي لا تخاذ إجراءات التأديب بالتدريج قبل الاقدام علي الفراق.

 

يتوجب علي القاضي في حال قدمت له المرأة شكوى أن ينظر في الأمر فإن وجد الرجل مخطئاً، و يسير في الطريق النشوز وعظه أو عزره «التعريز عقوبة غير محددة يعود تقديرها للقاضي» خاصة إذا كان في أخطائه ما يضر بالزوجة أو بالأسرة، و تقول المالكية: بأن القاضي يعظ  الزوج أولاً فإن لم يفد أمرها بهجره، فإن لم يفد ضربه، و له أن يسجنه إن رأى ذلك مناسباً و مفيداً في إصلاحه.

 

و لا تختلف المذاهب في هذا الأمر، أي تدخل القاضي معاقباً الرجل وفق اللازم لمنع ظلمه لزوجته و إيذائه لها، والغرض من ذلك تنبيه الرجل بالتأديب سعياً لإعادة اللحمة الزوجية و إحياء رابطتها القائمة علي السكينة و المودة و الرحمة.

 

المصدر: www.arabic.tebyan.net  (المرأة في التاريخ و الشريعة/ الدكتور أسعد السحمراني).