- Svenska
- العربية
- .
- فارسی
مقال مختصر لدراسة أكاديمية بعنوان: دراسة عن أساليب التشبيه البليغ الواردة في كتاب نهج البلاغة

يقدّم هذا المقال مختصرًا لدراسة أكاديمية بعنوان: «دراسة عن أساليب التشبيه البليغ الواردة في كتاب نهج البلاغة»، قُدّمت إلى قسم اللغة العربية بجامعة بايرو – كنو في نيجيريا في أغسطس 1998م، أعدّها الباحث «إسماعيل بتوري موسى» ضمن دراساته في اللغة العربية والبلاغة. وقد تناولت الدراسة جانبًا مهمًا من جوانب البيان في كلام أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وهو جانب التشبيه البليغ في خطبه ورسائله وحِكمه الواردة في كتاب نهج البلاغة. تم إعداد هذا المختصر بالتركيز على الجانب البلاغي والأدبي من الدراسة.
ويُعدّ كتاب نهج البلاغة من أبرز كتب التراث الإسلامي والعربي، وقد جمعه الشريف الرضي رحمه الله في القرن الرابع الهجري، منتخِبًا فيه مجموعة من خطب الإمام علي عليه السلام ورسائله وكلماته القصار. وقد حظي هذا الكتاب بمكانة رفيعة لدى العلماء والأدباء والباحثين، لما يتضمنه من مضامين إيمانية عميقة، ورؤى أخلاقية واجتماعية، وتوجيهات إنسانية، ومواعظ مؤثرة، إلى جانب ما يتميز به من قوة في البيان، وجمال في التصوير، وسمو في التعبير.
إن نهج البلاغة ليس كتابًا أدبيًا بالمعنى المحدود للكلمة، بل هو أثر معرفي وروحي عظيم. ففيه نجد الحديث عن التوحيد، والعدل، والتقوى، والدنيا والآخرة، وصفات المؤمنين، وحقوق الناس، ومسؤولية الحاكم، وكرامة الإنسان، وخطر الظلم، وقيمة العلم، ومكانة القرآن الكريم. وكل ذلك جاء بأسلوب يجمع بين عمق المعنى وروعة البيان، حتى أصبح الكتاب مرجعًا مهمًا في دراسة البلاغة العربية والفكر الإسلامي معًا.
تركّز الدراسة التي نلخصها هنا على التشبيه البليغ بوصفه واحدًا من أبرز أساليب البيان في كلام أمير المؤمنين عليه السلام. والتشبيه البليغ هو نوع من التشبيه تُحذف منه أداة التشبيه ووجه الشبه، ويبقى فيه المشبَّه والمشبَّه به، مما يجعل العبارة أكثر إيجازًا وقوة وتأثيرًا. فبدل أن يقال: «العلم كالنور في الهداية»، يقال مثلًا: «العلم نور»، فيصبح المعنى أقوى حضورًا في النفس، لأن الكلام يجعل العلاقة بين الطرفين علاقة قريبة ومباشرة.
ومن هنا تظهر قيمة التشبيه البليغ في النصوص الرفيعة؛ فهو لا يشرح المعنى شرحًا مباشرًا فحسب، بل يجسّده في صورة محسوسة أو قريبة من وجدان الإنسان. وهذا ما نلمسه في كثير من كلمات الإمام علي عليه السلام، حيث تتحول المعاني الإيمانية والأخلاقية إلى صور حيّة، يشعر القارئ وكأنه يراها أمامه. فالحكمة في كلامه ليست فكرة مجردة، بل حياة للقلب، ونور للبصيرة، وميزان للعمل، وطريق إلى الله تعالى.
وقد بيّن الباحث أن التشبيه البليغ في نهج البلاغة ليس مجرد أسلوب للزينة اللفظية أو جمال العبارة، بل هو وسيلة عميقة لإيصال المعنى، وتربية النفس، وتحريك الوجدان. فكلام الإمام علي عليه السلام يمتاز بأنه يجمع بين وضوح الفكرة، وقوة التصوير، وجمال الإيقاع، وصدق التأثير. لذلك لا يشعر القارئ أن الصورة البلاغية منفصلة عن المعنى، بل يجدها جزءًا من بنية الكلام وروحه.
ومن أهم ما تشير إليه الدراسة أن بلاغة الإمام علي عليه السلام تنبع من عمق معرفته، وصفاء روحه، وقربه من رسول الله صلى الله عليه وآله، ومنزلته الرفيعة في العلم والحكمة. فقد نشأ الإمام عليه السلام في بيت النبوة، وتربّى في مدرسة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله، وكان من أعظم الناس فهمًا للقرآن الكريم، وأشدهم ارتباطًا بمعانيه وهداياته. ولذلك جاءت كلماته مشبعة بروح القرآن، وبقوة الإيمان، وبنور البصيرة.
وتعرض الدراسة في بدايتها تمهيدًا عن البلاغة العربية، وتوضح أن العرب اهتموا منذ القدم بجودة الكلام، وحسن التعبير، وقوة البيان. وقد تطورت علوم البلاغة بعد ذلك، حتى صارت لها مباحث معروفة، من أهمها علم البيان، الذي يدرس طرق التعبير عن المعنى الواحد بصور مختلفة. ويدخل تحت علم البيان التشبيه، والاستعارة، والمجاز، والكناية. ومن بين هذه الفنون يحتل التشبيه مكانة مهمة، لأنه يساعد على تقريب المعاني إلى الأذهان، وربط الأفكار المجردة بصور واضحة ومؤثرة.
ثم تنتقل الدراسة إلى بيان خصوصية التشبيه البليغ، وتؤكد أنه من أرقى أنواع التشبيه، لأن حذف الأداة ووجه الشبه يمنح العبارة قوة واختصارًا. فالكلام لا يقف عند حدود المقارنة بين شيئين، بل يقترب من جعل أحدهما في منزلة الآخر. وهذا الأسلوب يحتاج إلى قدرة عالية على اختيار الألفاظ والصور، وإلى ذوق بلاغي دقيق، حتى لا يكون التشبيه غريبًا أو متكلفًا. ومن هنا تبرز براعة الإمام علي عليه السلام في استخدام هذا الأسلوب؛ إذ تأتي تشبيهاته منسجمة مع المعنى، مناسبة للمقام، قوية التأثير، بعيدة عن الصنعة والتكلف.
وتشير الدراسة إلى أن خطب الإمام علي عليه السلام ورسائله وحِكمه في نهج البلاغة تضم نماذج كثيرة من الصور البلاغية المؤثرة. ففي كلامه عن القرآن الكريم، وعن العلم، وعن الدنيا، وعن التقوى، وعن الموت، وعن أحوال الناس، نجد صورًا بيانية عميقة تقرّب المعنى إلى النفس، وتفتح أمام القارئ آفاقًا من التأمل. فالقرآن في كلامه نور وشفاء وهداية، والحكمة حياة للقلب، والدنيا دار فناء وابتلاء، والتقوى حصن ونجاة، والعلم بصيرة ورفعة. هذه الصور ليست مجرد عبارات جميلة، بل هي مفاتيح لفهم رؤية الإمام عليه السلام للحياة والإنسان والمصير.
ومن الجوانب المهمة التي يبرزها الباحث أن التشبيه البليغ في نهج البلاغة يرتبط غالبًا بهدف تربوي وإيماني. فالإمام عليه السلام لا يستخدم الصورة البلاغية لمجرد الإعجاب الفني، بل لتوجيه الإنسان نحو الحق، وتنبيهه من الغفلة، وتحذيره من الاغترار بالدنيا، ودعوته إلى التمسك بالتقوى والعمل الصالح. ولذلك فإن بلاغة نهج البلاغة ليست بلاغة لفظية فقط، بل هي بلاغة هداية وإصلاح.
كما أن التشبيه البليغ في كلام أمير المؤمنين عليه السلام يكشف عن قدرة فريدة على الجمع بين الإيجاز والعمق. فقد تأتي العبارة قصيرة في ألفاظها، لكنها واسعة في دلالاتها، تحمل معاني كثيرة في كلمات قليلة. وهذا من أبرز أسرار البلاغة العلوية؛ إذ لا يحتاج الكلام إلى إطالة حتى يكون مؤثرًا، بل تكفي جملة موجزة لتفتح أمام القارئ بابًا واسعًا من الفهم والتأمل.

وتؤكد الدراسة أن نهج البلاغة يمثل مدرسة بلاغية متكاملة، لأنه يجمع بين البيان العالي والمضمون العميق. فالقارئ يجد فيه قوة الخطابة، وجمال الحكمة، ودقة الوصف، وروعة التصوير، وصفاء الموعظة. كما يجد فيه توازنًا بين العقل والقلب؛ فالكلام يخاطب الفكر بالحجة، ويخاطب الروح بالموعظة، ويخاطب الوجدان بالصورة المؤثرة.
ومن خلال دراسة التشبيه البليغ، يتضح أن الإمام علي عليه السلام كان يملك قدرة استثنائية على تحويل المفاهيم الكبرى إلى صور قريبة من الإنسان. فالمعاني التي قد تبدو مجردة أو بعيدة، مثل الإيمان، والتقوى، واليقين، والغفلة، والموت، والآخرة، تتحول في كلامه إلى مشاهد حاضرة في النفس. وهذا ما يجعل كلامه حيًا متجددًا، قادرًا على التأثير في القارئ في كل زمان ومكان.
وتصل الدراسة إلى نتيجة أساسية، وهي أن بلاغة الإمام علي عليه السلام لا يمكن فصلها عن شخصيته الإيمانية والعلمية. فعمق المعنى في كلامه مرتبط بعمق معرفته، وجمال البيان مرتبط بصفاء روحه، وقوة العبارة مرتبطة بقوة يقينه. لذلك فإن دراسة الأساليب البلاغية في نهج البلاغة ليست مجرد دراسة لغوية، بل هي مدخل لفهم جانب من جوانب الحكمة العلوية.
كما تدعو الدراسة إلى مزيد من الاهتمام بكتاب نهج البلاغة من الناحية البلاغية والأدبية، لأن هذا الكتاب لا يزال يقدّم للدارسين مادة غنية في علوم اللغة والبيان. فكل خطبة أو رسالة أو حكمة يمكن أن تكون مجالًا لدراسة مستقلة، سواء في التشبيه، أو الاستعارة، أو الإيقاع، أو بناء الجملة، أو قوة الحجة، أو أسلوب الموعظة.
وفي الختام، يمكن القول إن هذه الدراسة تفتح نافذة مهمة على جانب من جمال نهج البلاغة، وتكشف عن حضور التشبيه البليغ في كلام أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام بوصفه أداة من أدوات البيان والهداية. فالبلاغة في كلام الإمام ليست زخرفة لغوية، بل نور يكشف المعنى، وجسر يصل بين الفكر والقلب، ووسيلة لتربية الإنسان على الإيمان والبصيرة والعمل.
----
تمّ النّشر: 07-05-2026


